ابو القاسم عبد الكريم القشيري

329

الرسالة القشيرية

قال اللّه سبحانه لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : « وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ » « 1 » يعنى : الأجل ، وعليه أجمع المفسرون . وان الذي أشار إليه القوم من الحرية هو : أن لا يكون العبد تحت رق شئ من المخلوقات لا من أعراض الدنيا ، ولا من أعراض الآخرة ؛ فردا لفرد « 2 » لم يسترقه عاجل دنيا ، ولا حاصل هوى ، ولا آجل منى ، ولا سؤال ، ولا قصد ولا أرب « 3 » ، ولاحظ . وقيل للشبلى : ألم تعلم أنه تعالى رحمن ؟ فقال : بلى ولكن منذ عرفت رحمته ما سألته أن يرحمني . ومقام الحرية عزيز . سمعت الشيخ أبا على رحمه اللّه ، يقول : كان أبو العباس السياري يقول : لو صحت صلاة بغير قران لصحت بهذا البيت : أتمنى على الزمان محالا * أن ترى مقلتاى طلعة حر وأما أقاويل المشايخ في الحرية ؛ فقال الحسين بن منصور : من أراد الحرية فليصل « 4 » العبودية . وسئل الجنيد عمن لم يبق عليه من الدنيا إلا مقدار مص نواة ، فقال : المكاتب عبد ما بقي عليه درهم . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت أبا عمرو الأنماطي يقول : سمعت الجنيد يقول : إنك لا تصل إلى صريح الحربة وعليك من حقيقة عبوديته بقية . وقال بشر الحافي : من أراد أن يذوق طعم الحرية ، ويستريح من العبودية « 5 » فليطهر السريرة بينه وبين اللّه تعالى . وقال الحسين بن منصور : إذا استوفى العبد مقامات العبودية « 6 » كلها يصير حرا من تعب العبودية « 7 » ، فيترسم « 8 » بالعبودية بلا عناء ولا كلفة ، وذلك مقام الأنبياء

--> ( 1 ) آية 99 من سورة الحجر . ( 2 ) أي اللّه . ( 3 ) أي حاجة . ( 4 ) بأن يواليها ويديم عليها . ( 5 ) لغير اللّه . ( 6 ) للّه . ( 7 ) لغير اللّه . ( 8 ) وفي نسخة فيتوسم أي يتصف ويتحلى .